هشام جعيط
199
نشأة المدينة العربية الإسلامية " الكوفة "
وكذلك الجابية والحيرة . لقد وافق التطور التاريخي ، إلى حد بعيد ، انتقال مراكز الثقل إلى مجال مغاير ثقافيا ، لكن المناطق الحضارية العربية القديمة كانت تحافظ على حضور ما وهيبة ما . ولا يسع أي إنسان أن يقول إن مكة كانت تتفوق على الحيرة أو صنعاء ، حين شرع النبي في نشر رسالته ، فمن وجهة نظر صرف للحضارة المدنية ، كان هناك تفوق واضح للحيرة . على أن مكة تقمصت مبادئ الجدة والقوة التاريخية والروحية ، وكانت تساهم في حركية دفينة وتختزن سرا عظمة مصيرها . إن هذه المجالات المختلفة ، وهذه الزمنية المتنوعة لا تطمس إطلاقا الوحدة ولا الاستمرارية . لقد تأثر اليمن بالشام ، إذ كانت علائقه التجارية بالشام عميقة مستمرة « 1 » وقد استمد من العالم الشامي وبلاد ما بين النهرين تصوراته المدنية والحضارية ، ولوّنها بعبقريته الخاصة . وكانت القوافل تعبر بلاد العرب على كامل امتدادها ، لربط الصلة بأقصى قطبين لها ، متجاوزة منطقتها الصحراوية ، ومحافظة على معنى تضامنها أو على واقعه بالأحرى . لقد ربّى اليمن نفسه وأدمج في حضارته المدنية كثيرا من العرب الرحل « 2 » وأعادهم إلى الشام حين بدأت تظهر بوادر التقهقر . وقد اعتمد الغساسنة ومناذرة الحيرة النموذج اليمني الأصلي لتشييد شكل عربي من المدينة - الدولة . ويظهر خيط الاستمرار بصورة أكثر دقة في كل ما بثه اليمنيون جنوبا والثموديون والنبطيون واللحيانيون شمالا ، في وسط بلاد العرب ، من تصورات ثقافية وعلى رأسها شكل التمدن وفكرته ، والحس التجاري وحتى الآلهة « 3 » ، وفي بعض الأحيان بمسافة زمنية تقدر بالألف سنة . إن وحدة عالم بلاد العرب من حيث المكان والزمان ، تظهر في ذلك النزوع إلى عدم قبول التيارات الحضارية إلا عبر رشح ذوي القربى مهما كانوا بعيدين مكانيا . أما في التقليد التاريخي فإن المرجع ينصب على مجال الدول والمدن والحضارة في قطبي الشام العربي « 4 » واليمن . وجاء في الحديث أن بعضا من أبناء سبأ ، معتبرا كجدّ ، قد « تشاءموا » وغيرهم قد « تيامنوا » « 5 » ،
--> - ولكنها لم تصبح المدينة المهمة باليمن إلا في عصر متأخر ، أي في القرن السادس . ( 1 ) C . Garbini , art . cit . , pp . 229 ff . ( 2 ) الأدبيات وفيرة في خصوص هجرات عرب اليمن إلى الشمال . لكن الملاحظ أن ابن حزم جعل مجموع العرب ينحدرون من أجداد ثلاثة ، هم عدنان وقحطان وقضاعة ، مؤكدا أنه لا توجد صلة بين بلاد قضاعة واليمن : الجمهرة ، ص 7 - 8 . ( 3 ) يبدو أن عمرو بن لحيّ قام بدور الوسيط في هذا المجال وجلب من الشام الإله هبل وجلب الأصنام من عند عمالقة البلقاء : السيرة ، ص 51 . ( 4 ) وهو ليس الشام المركزي بل الحواشي الصحراوية . ( 5 ) الرازي ، مرجع مذكور ، ص 499 .